الشيخ السبحاني

167

رسائل ومقالات

ومع أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقرأ ولم يكتب قبل بعثته ولو مرّة واحدة ، ومع ذلك كان المعاندون يتهمونه بوضع الكتاب ونسبته إلى اللَّه ، كما يحكيه سبحانه عنهم : « وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً * وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا » « 1 » . فهو على رغم انّه لم يقرأ ولم يكتب ، اتّهموه - ظلماً - بوضع الكتاب ودسّه ونسبته إلى اللَّه ، فكيف إذا كان ممارساً للقراءة والكتابة أمام الناس منذ طفولته إلى شبابه ثمّ كهولته ؟ ! إنّ سلب نعمة الكتابة والقراءة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كسلب نضد الشعر عنه ، يقول سبحانه : « وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ » « 2 » . وينبغي الإشارة إلى أنّ سلب القراءة والكتابة لا يعني عدم علمه بأسرار الكون ورموزه وما يسود عليه من نظام وقوانين ، بل انّ اللَّه سبحانه قد أوقفه على حقائق الموجودات من طريق آخر غير الكتابة والقراءة ، وبذلك انتفت الحاجة إليهما ، وقد عرفت ما في كلام أمير المؤمنين عليه السلام في حقّه صلى الله عليه وآله وسلم لما قال : « ولقد قرن اللَّه من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره » . « 3 » وكفى في علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم انّه سبحانه وصف علمه بالعظمة ، وقال : « وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً » « 4 » .

--> ( 1 ) . الفرقان : 4 - 5 . ( 2 ) . يس : 69 . ( 3 ) . نهج البلاغة ، الخطبة 192 . ( 4 ) . النساء : 113 .